الشيخ محمد رشيد رضا
162
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
« والقسم الثالث سوّغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار اليه حيث لا يوجد منه بدّ ، ولم يلزموا أحدا العمل به ، ولم يحرموا مخالفته ؛ ولا جعلوا مخالفه مخالفا للدين ، بل خيروا بين قبوله ورده ، فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة اليه كما قال الإمام أحمد : سألت الشافعي عن القياس فقال لي : عند الضرورة . وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة ، لم يفرطوا فيه ويفرعوه ويولدوه ويوسعوه كما صنع المتأخرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار ، وكان أسهل عليهم من حفظها ، كما يوجد كثير من الناس يضبط قواعد الافتاء لصعوبة النقل عليه وتعسر حفظه ، فلم يتعدوا في استعماله قدر الضرورة ولم يبغوا بالعدول اليه مع تمكنهم من النصوص والآثار ، كما قال تعالى في المضطر إلى الطعام المحرم ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فالباغي الذي يبتغي الميتة مع قدرته إلى التوصل إلى المذكى ، والعادي الذي يتعدى قدر الحاجة بأكلها » ثم بين رحمه اللّه تعالى أن الرأي الباطل أنواع قال : ( أحدها ) الرأي المخالف للنصوص . وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الاسلام فساده وبطلانه ، ولا تحل الفتيا به ولا القضاء ، وان وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد . ( النوع الثاني ) هو الكلام في الدين بالخرص والظن مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الاحكام منها . فان من جهلها وقاس برأيه فيما سئل بغير علم بل لمجرد قدر جامع بين الشيئين ألحق أحدهما بالآخر ، أو لمجرد قدر فارق يراه بينهما يفرق بينهما في الحكم من غير نظر في النصوص والآثار - فقد وقع في الرأي المذموم الباطل ( النوع الثالث ) الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلال الخ ( النوع الرابع ) الرأي الذي أحدثت به البدع ، وغيرت به السنن ، وعم به البلاء ، وتربى عليه الصغير ، وهرم فيه الكبير ،